Menu
الخميس 30 آذار 2017

صالونات القدس.. حلاقة بالوراثة ومنتديات سياسية

صالونات القدس.. حلاقة بالوراثة ومنتديات سياسية
السبيل - منذ ستين عاما يواظب الحلّاق الثمانيني كمال راشد على التوجه يوميا لحانوته المستأجر في زقاق باب حطة بالبلدة القديمة في القدس، فليس الزبائن وحدهم من اعتادوا على استقباله لهم بالابتسامة وبشاشة الوجه، لكنه يشكل إحدى ركائز الحي وتراثه بالنسبة للسكان هناك.

بدأ راشد رحلته مع مهنة الحلاقة بعد تركه مقاعد الدراسة في الصف الأول الابتدائي مجبرا لنزوحه مع عائلته لمدينة أريحا، بعيد سقوط 1500 قذيفة إسرائيلية على البلدة القديمة في القدس عام 1948.

ومع مرور السنوات حاول الالتحاق مجددا بالمدرسة القريبة من منزل العائلة بالقدس، لكنّ مديرها رفض ذلك بسبب كبر سنه، وساعده خاله في الولوج لسوق العمل، وبدأ حينئذ العمل في تنظيف محل الحلاقة الذي يعمل به حاليا.

قرش البداية
وخلال استقباله الجزيرة نت في صالونه بباب حطة، نبش الحلّاق الثمانيني ذاكرته، وتحدث عن تلك الأيام قائلا "بداياتي في المحلقة كانت بالعمل في تنظيف الأرض وإزالة الشعر عن الزبائن بعد الحلاقة مقابل قرش واحد، بالإضافة إلى أن صاحبها كان يرسلني لمنزله بالبلدة القديمة لأجلب له طعام الغداء من زوجته، وكنتُ أبلغ من العمر حينها 16 عاما".

وهكذا بدأ راشد سبر أغوار هذه المهنة وتعلُّم تفاصيلها عبر مراقبة صاحب المحلقة الذي غادر البلاد إلى الكويت، مما فسح المجال أمامه لاستئجار الحانوت مقابل 24 دينارا أردنيا سنويا.

وعن تلك المرحلة قال الحلّاق المسن "كان الزبائن يجلسون على كرسي خشبي قديم، لكنني اشتريت كرسيا من سوريا بعد تسلمي العمل وحدي، وبلغ ثمنه حينها خمسين دينارا، سددتها بعرق جبيني خمسة دنانير شهريا".

لم يتجاوز عدد الحلاقين في القدس قديما سبعة، ومنهم من دربهم الثمانيني كمال راشد على هذه المهنة، لكنّ العشرات منهم ينتشرون الآن في مختلف أزقة البلدة القديمة، وهم شبان في مقتبل العمر ورث أغلبهم المهنة عن آبائهم وأجدادهم.

عن تغير نمط الحلاقة وانتشار القصّات العصرية، يقول راشد "أرفضُ بشكل قاطع ملاحقة صيحات الموضة في ما يخص قصّات الشعر، فأنا أحلقُ لزبائني على الطريقة التقليدية التي اعتدنا عليها".

وتابع "عاش الناس قديما حياة متواضعة والقليل من المال كان يجلب الكثير من الحاجات، أما اليوم فبالكاد يتدبر المقدسيون أمرهم بسبب غلاء المعيشة، والأهم من ذلك أننا فقدنا جميعا راحة البال التي كنا نتمتع بها في الماضي".

ورغم انعدام استخدام الأدوات البدائية في الحلاقة، فإن راشد يصرُّ على الاحتفاظ بها في دولاب خاص، مستذكرا كلّما أطل عليها أياما خلت بحلوها ومرها، تردد عليه خلالها العديد من وجهاء القدس وساستها، بينما لا يزال زبائنُه القدامى ممن لم توافيهم المنية بعد يتوافدون عليه لحلاقة رؤوسهم وتبادل أطراف الحديث معه في السياسة وأحوال المدينة وظروفها.

السياسة والأخبار
بالخروج من صالون المسن كمال راشد من باب حطة والتوجه نحو سوق خان الزيت تستقبل الزائر محلقة تاريخية أخرى اشترتها عائلة أبو غزالة قبل 130 عاما، ليُورّث الأجداد أبناءهم وأحفادهم هذه المهنة.

يستقبل الشاب أحمد أبو غزالة الزبائن في المحلقة بعد وفاة والده وجده ويرفض مغادرتها وتعلُّم مهنة أخرى، كما استمر زبائن العائلة القدامى في التوجه لأحمد رغم صغر سنه من منطلق إيمانهم بأنه أتقن المهنة على يد من سبقوه.

ومن بين هؤلاء التاجر المقدسي أبو محمود (58 عاما) الذي جرّب الحلاقة على يد الجد محمد والوالد أمير والحفيد أحمد حاليا، وقال "جميعهم يحلقون الشعر بالدقة نفسها، ولم يتغير علي كزبون سوى الوجوه والكراسي الخشبية القديمة التي أصبحت جلدية حديثة".

وتابع "كانت الكثير من الشخصيات السياسية والرسمية تتردد على الحلاقين البسطاء، وكانوا يتحدثون في السياسة، ويتناولون أخبار الصحف، لكنني لم أكن أعي ما يدور حولي، وعندما كبرتُ أدركت أنه منذ صغري لم يتغير شيء على وطني فلسطين سوى الدول المحتلة".
الجزيرة نت


إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى